أخبار وطنية مفكرون وأمنيون وسياسيون تونسيون: داعش تجـاوز الفظـاعـة بحرقه الطيّار الأردني..
وهــذا ردّنــا علــيـــه اهتزت الإنسانية جمعاء مؤخرا على وقع جريمة فظيعة ونكراء تمثلت في إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالحرق حيا على أيادي مخلوقات وحشية تزعم انتمائها لطائفة البشرية واعتناق دين الإسلام وتنضوي تحت ما يسمي نفسه بتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام أو ما يعرف إعلاميا بداعش، وذلك بعد أن وقع أسيرا في يد التنظيم نهاية ديسمبر الماضي على اثر تحطم طائرته شمال سوريا أثناء قيامه بمهمة عسكرية .
كما نشر التنظيم الإرهابي على موقع اليوتيوب فيديو تواصل تقريبا على مدى 3 دقائق صوّر فيه كامل تفاصيل عملية إعدام الكساسبة حرقا والتي تعجز الكلمات عن التعبير عن حجم فظاعة ودناءة ما قاموا به بعد أن قتلوا الإنسان فيهم واغتالوه، ليتحولوا إلى وحوش ضارية تسعى لخلق عالم حالك ودامس يبنونه بالجماجم والجثث المحروقة والأجساد المقطوعة الرؤوس لضحاياهم، ويبنونه أيضا عبر طمس معالم تاريخ وجغرافيا الأمة العربية الإسلامية..
وقد أثار حرق الطيار الأردني تنديد كل الأطراف الدولية وخاصة العربية والإسلامية منها خاصّة وأنّ داعش يزعم أن ما يفعله من ممارسات إجرامية هو تطبيق للشريعة الإسلامية ولأصول ديننا الحنيف البراء منهم، وتبعا لذلك ارتأت أخبار الجمهورية معرفة ردة فعل الرأي العام التونسي فيما يخص هذا الطرح عبر الاتصال ببعض الشخصيات التي أكدت تنديدها بعملية الإعدام الجديدة للتنظيم التي يتنزه عنها الإسلام، وأفادتنا الشخصيات المتدخلة بعديد الشهادات نسردها تباعا:
لطفي الشندرلي: يجوز تطبيق حدّ الحرابة على مقاتلي داعش
أعرب الشيخ الزيتوني لطفي الشندرلي عن تنديده الشديد واستنكاره لعملية حرق الكساسبة حيّا، وأشار الى أن الجماعات الإرهابية التي قامت بذلك الفعل الإجرامي الوحشي الجبان تمثل خوارج هذا الزمن و«زمرة» مجرمة متوحشة تتبنى فكرا لا إنسانيا يحمل ثقافة الدمار والإجرام والإرهاب اللا مشروع وفق تعبيره..
وأكّد الشندرلي أن دين الإسلام الذي نزّله الله هو دين محبة وتسامح ورحمة مشيرا إلى أن كل الأديان أرسلها الله تعالى باللين والرفق والوسطية وحب الناس. كما أضاف: « تنظيم ما يسمى بداعش يبقى الإسلام منه براء ولا يمت إليه بأي بصلة، بل هو يعتبر المرض الفتاك لهذا العصر وسرطانه الخبيث، فالموت والإرهاب والدمار الذي يصنعه، حتى الحيوان لا يقدر على فعله وحتى صفة الوحوش لا تليق بهم»..
وفي سياق متصل اعتبر الشيخ الشندرلي أن عملية الحرق البشعة في حق الطيار الكساسبة ستسبب لهم غضب الله لأنه لا يرضى الظلم لعباده وبتلك الأفعال الدنيئة في حقهم فهو وحده الذي يحرق بالنار لكنه منع أن يفعل ذلك عباده المؤمنين حتى لو بلغت ذنوبهم حدود السماء لأنه غفور ورحمان رحيم..
وواصل محدثنا مداخلته قائلا ان جماعة التنظيم الإرهابي يجوز أن يطبق عليهم حكم حدّ الحرابة، وهي قطع الطريق عبر خروج فرد واحد أو جماعة مسلحة على الناس الآمنة المطمئنة وإحداث الفوضى وسفك الدماء وسلب الأموال أو هتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، وحدّها أو عقابها فقد أورده الله ضمن الآية التالية المقتطفة من سورة المائدة بقوله تعالى: «إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله ويسعوْنَ في الأرض فساداً أنْ يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهُمْ وأرجلَهُمْ مِنْ خِلافٍ أو يُنفَوْا من الأرضِ ذلكَ لهمْ خِزْيٌ في الدنيا ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ».
وختم الشيخ حديثه بالتأكيد أن هذا التنظيم يعتبر خطرا كبيرا يهدد كل العالم والبشرية جمعاء، لذلك يتوجب على علماء الدين الوسطيين والمتنورين أن يتكاتفوا ويظافروا جهودهم لنشر السلام والمحبة ومبادئهما وكذلك لتوعية الفكر المستنير وخطابه النيّر لكي تسود الرحمة بين كل الشعوب، مؤكدا أن الإرهاب لا يحارب إلا بالفكر والعلم والقلم وبكل الوسائل السلمية لدحره وإخراج صانعيه إلى جهنّم وبأس المصير وفق تعبيره..
رضا بلحاج: ندين حرق داعش للكساسبة ونستنكر دخول الأردن صفوف «الأعداء»
أمّا الناطق الرسمي باسم حزب التحرير رضا بلحاج فقد أعرب عن تنديده الشديد بحادثة حرق الكساسبة الإجرامية، وأشار إلى أن دين الإسلام كان واضحا في الأحكام التي وضعها وأوردها للحياة العامة والعادية وكذلك للحرب والسلم وطريقة التعامل مع الأسير ورغم أن الأمة الإسلامية خاضت آلاف الحروب إلا أن تاريخها لم يشهد أبدا حرق أي شخص مهما عاداها.
كما اعتبر بلحاج أن مشهد حرق الطيار الأردني يمثل نشازا للأمة الإسلامية جمعاء ووضعية صادمة ومروعة لتنظيم متعال على الجميع يعتبر نفسه ممثلا للفكر الإسلامي وهو كذلك تنظيم غامض يصعب تشخيصه أو معرفة من أين تأتّى ومن هي الأطراف الحقيقية التي تقف وراءه وفق تعبيره.
وفي نفس السياق جدّد محدّثنا إدانة حزبه لإعدام الطيار من ناحية وكذلك استنكاره لدخول الأردن في صفوف « الأعداء» وفق تعبيره توصيفا لقوات التحالف الدولي ـ التي دعمتها الأردن لشن ضربات عسكرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ والتي ساهمت في تقتيل المسلمين بعضهم لبعض من ناحية أخرى وفق ما أدلى به أيضا..
أما عن قراءته للرسالة التي أراد بها تنظيم داعش إيصالها من خلال جريمة الحرق، قال رضا بلحاج ان هذا التنظيم له أجندات غريبة جدا وشاذة جعلت الجميع يتساءل عن ماهيته وعن الجماعات التي تخترقه، مرجّحا أن يكون من بناء التنظيم البعثي الصدّامي..
صالح الزغيدي: داعش هو امتداد لتيارات إسلامية تنتمي لنفس العائلة وهي الإخوان المسلمين
من جهته أفاد الناشط السياسي والحقوقي صالح الزغيدي أنه لا يمكننا الحديث أو التطرق إلى ظاهرة تنظيم داعش دون الوقوف على تاريخ ظهور التيارات الإسلامية التي انطلقت منذ سنة 1928 في مصر مع بروز جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم امتدت فروعها إلى عدة تسميات وتنظيمات تنتمي لذات الأصل والمبدأ وتسعى جميعها إلى إقامة خلافة إسلامية تحكم وفق الشريعة..
وفي المقابل أضاف الحقوقي أنه رغم ظهور تيارات إسلامية معتدلة وسطية وسمحة تمارس فكرها في إطار سلمي معتدل فانه لا مراء من وجود «أجنحة» متشددة ومتطرفة تمارس الإرهاب الفكري والمادي ضمن طقوسها ومنهم تنظيم ما يعرف بداعش الذي يقرّ أن تطبيق الفكر الذي يؤمن به لا يكون إلا بممارسة القوة والشدة وكل معارض أو معترض يعتبر عدوا وكافرا بالنسبة إليهم ويبيحون قتله والتنكيل به بأبشع الطرق والصور، وما شاهدناه مؤخرا من عملية حرق الطيار الكساسبة حيا أفظعها وأحقرها.
من ناحية أخرى استرجع صالح الزغيدي حادثة اغتيال جنودنا الشهداء يوم 29 جويلية 2013 في جبل الشعانبي والتنكيل بجثثهم بطريقة بشعة ووحشية لا تمت للإنسانية بصلة، وقال ان هذه الجماعات الإرهابية التي فعلت مع الإنسان ما لا تفعله مع الحيوان هي أيضا امتداد لتلك الجماعات المتطرفة لحملهم نفس الفكر والمبدأ وهو التعطش للدماء ونشر الرعب والخوف ..
كما أكد الزغيدي أن السبب الأساسي لكل هذه الممارسات والانحرافات والجرائم الإرهابية في تونس أو ليبيا أو سوريا أو العراق إنما يعود إلى ما تطرحه الحركات الإسلامية ومنها النهضة من إدماج الدين بالسياسة وتوظيف الدين للصعود إلى السلطة. وجدّد دعوته إلى ضرورة الفصل بينهما لكي يبقي الدين مقدسا ومنزها عن تجاذبات السياسة ومنزلقاتها وحتى ننأى عن الشعوب العربية والإسلامية وحش الإرهاب الذي يتهددها والذي ولد من صلب تيارات إسلامية تنتمي لذات المدرسة والعائلة الفكرية المعروفة ألا وهي الإخوان المسلمون..
نصر بن سلطانة: هذه الرسائل التي أرادت داعش بعثها من خلال حرق الطيار
رجّح الدكتور والباحث في سياسات الدفاع والأمن الشامل نصر بن سلطانة أن يكون إعدام داعش بتلك الطريقة الوحشية الجديدة هي رسالة تحذير لبقية العسكريين الأردنيين أو الأجانب لإرهابهم وبث الرعب في نفوسهم لملاقاتهم نفس المصير إن تمت الإطاحة بهم بين أيديهم وكأنهم يقولون لهم مثلما تحرقوننا نحرقكم وفق تعبيره..
من ناحية أخرى أفاد الدكتور أن ممارسات داعش الوحشية والشاذة تعكس طبيعته في طريقة تعامله مع أعدائه ومع الأطراف التي يعتبرها معادية له، مشيرا إلى أن أفعالهم الإجرامية أصبحت القوت اليومي لهم والذي يسعون أيضا من خلاله إلى استقطاب الشباب المتطرف والمتعطش للدماء واستهوائه وذاك عبر نشره لفيديوهات تروّج إجرامهم وفكرهم المتطرّف..
عبد اللطيف الحناشي: التنظيم أراد ضرب عصفورين بحجر واحد
ومن جهته، أعرب الباحث والمؤرخ عبد اللطيف الحناشي عن تنديده المطلق بالواقعة الفظيعة في حق الطيار الاردني واصفا إياها بالشنيعة وغير الإسلامية. وأشار في المقابل الى أن تاريخ ظهور هذه الجماعات المتطرفة ارتبط باعتمادها على سلوك عنيف وإجرامي رافق طقوسها والمتمثلة في ممارسة الإرهاب بكل حذافيره.
كما أشار الحناشي الى أن التنظيم أراد من خلال نشر الفيديو الذي صوّر كامل مراحل عملية الحرق البشعة، أراد بث الفتنة خارجه أي كل الأطراف التي تعاديه من ناحية، وكذلك ردع عناصره وترهيبهم من مغبّة محاولة الانشقاق عنه خاصة أن الفترة الأخيرة شهدت هروب العديد من المقاتلين عن صفوفه..
وأكد المؤرخ أن دين الإسلام براء من هؤلاء الخوارج التي تسيء أفعالهم إليه وهو منّزه عن كل هذه الأشياء الدخيلة والجبانة، قائلا إن ديننا الحنيف لا يسمح أبدا بهذه الممارسات البشعة والفظيعة..
ألفة يوسف: حمدت الله تعالى على أني حققت معجزة العيش في القرون الوسطى دون حاجة إلى آلة زمن
كما اعتبرت المفكرة والباحثة ألفة يوسف في تعليقها على ذات الموضوع أن تاريخ البشرية مليء بالفظاعات والمآسي مهما اختلفت الإيديولوجيات والتبريرات، مبدية عدم تفاجئها من عدم تحرك الشارع الإسلامي إزاء هذه الحادثة التي تسيء للإسلام فقالت: «سكتوا عن الرجم وتقطيع الأوصال وقطع الرؤوس، فهل سيزعجهم الحرق؟
وفي المقابل أعربت المفكرة عن استنكارها لرد فعل مملكة الأردن اثر إعلان تنظيم داعش إعدام الطيار ونشر الفيديو الوحشي والمأساوي وقالت ما يلي:
«بعد أن دمرنا قتل الطيار الأردني حرقا.. وأنا أشاهد الجموع في الأردن تصيح مطالبة بالثأر، وأشاهد دولة تتعامل كقبيلة بمنطق رأس برأس، حمدت الله تعالى على أني حققت معجزة العيش في القرون الوسطى دون حاجة إلى آلة زمن...
قالوا القرن الواحد والعشرون»...
رجاء بن سلامة: لماذا لم تهزّ فظاعات داعش المشاعر ولم تحرّك الشّوارع؟
أما الباحثة والأستاذة الجامعية رجاء بن سلامة فقد علقت على حادثة إعدام الكساسبة عبر تساؤلها حول سرّ عدم خروج الجماهير العربية والإسلامية وشوارعها للتنديد والمناهضة بممارسات داعش الإرهابية والنكراء مثلما فعلت سابقا عند خروجها للتظاهر ضد الصور الكاريكاتورية التي اعتبرتها مسيئة للرسول .
وتابعت بن سلامة طرح تساؤلاتها وحيرتها: ألا تهتز الجماهير لفظاعات يرتكبها إرهابيّو داعش باسم الإسلام؟ حرق كائن بشريّ وهو على قيد الحياة ونشر فيديو بذلك ألا يثير على الأقلّ حميّة الغيورين على الإسلام من التّشويه والاستخدام اللاّإنسانيّ؟
من هو الطيار الأردني
معاذ الكساسبة الذي أحرقه تنظيم داعش؟
معاذ الكساسبة هو طيار أردني احتجزه تنظيم داعش يوم 24 ديسمبر 2014 بعد أن سقطت طائرته خلال تنفيذ ضربة جوية ضد التنظيم.
وهو من محافظة الكرك الواقعة جنوب غربي الأردن، وهو من مواليد 29 ماي 1988، أنهى دراسته الثانوية في الكرك ثم التحق بكلية الحسين الملكية للطيران الحربي.
وتخرج الطيار عام 2009 ليلتحق بطياري سلاح الجو الملكي الأردني، وحصل على رتبة ملازم أول في 2014، ووفقا لزملائه كان الكساسبة من أكثر الطيارين في سلاح الجو خبرة وتميّزا، كما عرف بالتزامه الديني وتفوقه الدراسي.
والكساسبة المتزوج حديثا تحديدا منذ 6 أشهر، كان واحدا من طياري الجيش الأردني الذين أسندت لهم مهمة تسديد ضربات ضد داعش في العراق وسوريا، بما أنّ الأردن جزء من التحالف الدولي ضد التنظيم المتشدد.
وفي ديسمبر الماضي أثناء طلعة جوية للكساسبة، أسقطت طائرته فوق الرقة واحتجز لدى داعش، ليتم حرقه مؤخرا.
إعداد: منارة التليجاني